السيد محمد تقي المدرسي
253
من هدى القرآن
هدى من الآيات : توجهنا هذه الآيات إلى الإيمان بالله وبالرسول ، وتأمرنا بالإنفاق باعتباره من أعظم ثمرات الإيمان ، ولما فيه من الأجر الكبير ، وهو محك الميثاق الذي أُخِذَ من كل الناس في عالم الذر ، وهو بند من بنود العهد الذي قطعه المسلم على نفسه عند بيعته للقيادة الرسالية . . ولا يحدد القرآن نوعا من الإنفاق بذاته ، وإن كان الظاهر هو إنفاق المال ، كما لا يدعو إلى كمية معينة من الإنفاق ، لأن الأهم الكيف وليس الكم ، لذلك نجد تفريقا بين الإنفاق استجابة لأمر الله ودعوة الرسول إذا كان قبل الفتح وإذا كان بعده ، والتأكيد على أن الأول هو الأفضل عند الله ، لأنه الأصعب ، إذ يتعرض المؤمن يومئذ لكثير من الصعاب كضغط السلطة التي تعتبر الإنفاق من أجل الحق جريمة تستحق العقاب ، وضغط المجتمع المثبط الذي يعتبره مغرما وسفها ، أما بعد الفتح فتنتفي الكثير من الضغوط ، وربما يصير الإنفاق بابا إلى الشهرة . وتأكيدا على النوع في الإنفاق يدعونا ربنا إلى قرض حسن في سبيله ، لا لحاجة منه إليه ، وإنما لكي يرده علينا أضعافا مضاعفة في الدنيا ، وليجعله نورا في الآخرة وثوابا وفوزا عظيما . ثم ينقل لنا الوحي مشهدا من الآخرة ، حيث المؤمنون والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم التي مدوها بالإنفاق والقرض الحسن في سبيل الله ، فهم في نعيم الجنة خالدون ، في حين يتخبط المنافقون الذين بخلوا أو أنفقوا لغير وجهه تعالى في ظلمات وعذاب مقيم ، وهنالك لا يقبل منهم فدية في مقابل الخلاص من العذاب ، ولو كان قدرها ملء الأرض ذهبا ، وقد كان بإمكانهم أن يعتقوا أنفسهم من جهنم بإنفاق حسن محدود في الدنيا لوجه الله وطاعة لرسوله وأوليائه ، لكنهم فتنوا أنفسهم وتربصوا وارتابوا وغرتهم الأماني وخدعهم الشيطان . بينات من الآيات : [ 7 ] بعد أن عَرّفنا ربنا نفسه من خلال صفاته كالقدرة على كل شيء ، والعلم بكل شيء ، وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن ، وأنه الخالق الذي له الملك الواسع وبيده التدبير ، يدعونا إلى الإيمان به تعالى ، معتبرا ذلك أساسا للإيمان . أوليس الإيمان الحق هو الذي يقوم على المعرفة ؟ . آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا يسأل البعض : هل الخطاب موجه إلى المؤمنين فهو تحصيل حاصل لأنهم مؤمنون ، أم هو موجه لغير المؤمنين فهو غير جائز لأن الأمر يلزم المؤمن فقط ؟ ! .